قيد الإنشاء.

المستكشف

دير ياسين الماضي الحي الذي لم ولن يُنسى

مقالة كتبتها لصحيفة الرأي الأردنية يوم الثلاثاء 2/12/1420هـ، الموافق 7/3/2000م، ولكن الصحيفة لم تنشرها في حينها وها أنذا أثبتها هنا كما كتبتها قبل نحو تسع سنوات:
في مثل هذه الأيام من شهر آذار من عام 1978 ،امتلأت وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة بذلك الخبر الفرد في حينه ، والذي كان مفاده (أن مجموعة من الفدائيين العرب المسلحين ،اسمها مجموعة دير ياسين ،قوامها عشرة رجال ؛خمسة فلسطينيين من الشتات ويمنيان وثلاثة لبنانيين ،وفتاة فلسطينية واحدة هي قائدتهم ، استطاعوا الوصول حوالي الساعة 11 صباح يوم السبت الموافق 11/3/1978 الى الساحل الفلسطيني المحتل بين حيفا وتل أبيب ،على متن قاربين مطاطيين ،بعد أن تاهو في عرض البحر أكثر من أربعين ساعة ،فقدوا خلالها اثنين من رفاقهم غرقا في البحر ،وأحد الزورقين ونصف سلاحهم ،ثم استطاعوا السيطرة على حافلتين مليئتين بالركاب الصهاينة ،من مدنيين وعسكريين ، وأنهم استطاعوا تخطي عدة حواجز عسكرية وشرطية في طريقهم الى تل أبيب ،وأنهم طالبوا باطلاق سراح آلاف المعتقلين والأسرى والمسجونين الفلسطينيين ،الذين يقبعون في سجون الإحتلال بغير وجه حق ،منذ أن احتل أولئك الصهاينة أرض فلسطين سنة 1967 ومنهم من كان أسيراً قبل ذلك التاريخ ،وأنها تسمت باسم دير ياسين لتذكر العالم عامة ، والصهاينة خاصة ،بتلك المذبحة الرهيبة التي اقترفها رئيس وزراء اسرائيل –يوم العملية –الإرهابي الضليع ،مناحيم بيغن ،يوم أن كان رئيس عصابة يوم 9/4/1948 وراح ضحيتها المئات من أطفال ونساء وشيوخ الشعب الفلسطيني الصابر ).
رفض الصهاينة التفاوض مع المجموعة الفدائية ،وأصروا على تصفيتهم جسدياً ،ولو أدى ذلك الى قتل جميع من في الحافلتين من مدنيين وعسكريين من الصهاينة ،وقد تم لهم ذلك الإصرار العنيد الغبي ،فقُتِلَ أكثرُ الركاب ،ومن كُتِبَت له النجاة كان مصاباً ؛ أما المجموعة الفدائية فاستشهدوا جميعا عدا اثنين ،أظن أنهما لا زالا يقبعان في سجون الإحتلال ،بدعوى تلطخ أيديهما بالدم اليهودي!!
وبعد أيام قام الصهاينة باجتياح جنوب لبنان ،للقضاء على المقاومة الفلسطينية والوطنية اللبنانية هناك ،ولكنهم لم يفلحوا ،وقامت الدنيا ولم تقعد ؛تضامناً مع الشعب الفلسطيني في الداخل –والذي صب الصهاينة عليه جام غضبهم –وتضامنا مع المقاومة الفلسطينية والوطنية اللبنانية ،في الجنوب اللبناني ،وتحرك الطلاب العرب في كثير من أقطار الوطن العربي ،وخاصة الأردن ؛ الذي ما انفك يوما عن طليعيته ،في التصدي لأعداء أمته .. تحركوا من مدارسهم ،ومعاهدهم ،وجامعاتهم،يطالبون بافساح الطريق لهم،للوصول الى ساحة المعركة في الجنوب اللبناني الثائر الصامد ،ليشاركوا اخوانهم المقاتلين الفلسطنيين واللبنانيين البواسل شرف دحر تلك الهجمة الصهيونية البربرية ،التي لم تكن الأولى ،ولن تكون الأخيرة !!ولكنه حيل بين الأكثر من أولئك الطلاب ،وخاصة الذين تجمعوا واعتصموا في كلية الطب في الجامعة الأردنية ،من مختلف المعاهد والكليات وبين ما يشتهون ،من المشاركة في شرف
الدفاع عن أرض العرب في جنوب لبنان ،واستطاع بعضهم وخاصة من جامعة اليرموك الوصول الى لبنان.
واندحرت تلك الهجمة الصهيونية ،على أيدي البواسل من العرب والمسلمين ،من فلسطينيين ولبنانيين وغيرهم من شرفاء الأمتين العربية والإسلامية،الذين ما انفكوا أبداً مداد كل جهاد وثورة من ثورات أمتنا ، التي كتب عليها القتال كما كتب عليها الصلاة والصيام والزكاة والحج،لإحقاق الحق وابطال الباطل.
اندحرت تلك الهجمة الهمجية مخلفة وراءها مسماراً آخر دقته في جنب الوطن اللبناني الجريح خاصة ،والشامي والعربي عامة،بعد المسامير التي زرعتها في أرض فلسطين والأردن والجولان من أرض الشام المباركة ،وسيناء من أرض مصر الطيبة الآمنة ،ولكن هذا المسمار على وشك الإنقلاع من هذا الجسم الشامي المبارك ،بعد أن انقلعت المسامير من الجسد المصري أولاً ، ثم من الجسد الأردني ثانياً ،وتزحزحت المسامير من الجسد الفلسطيني ،وستنقلع المسامير الصهيونبة من رأس الشيخ وجسد ه في الجولان ،ومن قلب فلسطين النابض ان شاء الله.
اندحرت تلك الهجمة وسرعان ما عادت سنة 1982 في اجتياح كاد يلتهم أرض لبنان جميعها ،ووصل الصهاينة الى بيروت ،وحاصروا المقاومة العربية والشرفاء من أبناء أمتنا فيها حوالي ثمانين يوما،ثم ما لبثوا أن خرجوا منها مذمومين مدحورين ،تلهب ظهورهم سياط المقاتلين الأشاوس من أبناء أمتنا الواحدة الموحدة ،بعد أن عاثوا في أرض لبنان الجميلة فساداً ،وتحريقاً وتقتيلاً وتنكيلاً.
وها هم الآن يحزمون حقائبهم ،ويلملمون أشلاءهم،ويقنعون وجوههم خزياً وعاراً ، راحلين عن أرض الجنوب الحر ، تحت وقع سياط المقاومة والجهاد، وها هم أبناء فلسطين في بير زيت ، يبرهنون مرة أخرى للعالم أجمع ،أن الشعب الفلسطيني الذي تقاسم مع أخوانه في لبنان لقمة العيش ، ونوبة الحراسة ، وعرق التدريب والإعداد ،وجهد البناء والتحصين ،واعادة الإعمار ،وطلقة البندقية، وقذيفة المدفع ، استقبالاً ورداً ، يقاسمه الآن شرف الكلمة المقاومة المناضلة المجاهدة، فيرمي (جوسبان) الفاحش البذيء ،بالحجارة التي صارت رمز النضال والإنتفاض الفلسطيني الفاعل، والتي هي في شرع الله رمز العقوبة للخائن الفاحش المتفحش .
إن دماء العرب والمسلمين من فلسطينيين ولبنانيين ويمانيين التي اختلطت من خلال مجموعة دير ياسين في آذار 1978 على أرض الساحل الفلسطيني الأسير ،لتسطر صفحة من نور،بدماء الذهب ،من سفر تاريخ الجهاد والنضال لهذه الأمة الواحدة ،ولتختلط بدماء إخوانهم المصريين ،والسوريين ،والعراقيين ،والأردنيين ،والمغاربة ،والحجازيين ،الذين سبقوهم بهذا الشرف على أرض فلسطين على مدى التاريخ ،وخاصة في هذا القرن في ثورات سنة1923وسنة1933 وسنة 1936 وسنة1939و حرب سنة 1948 .
وان دماء الأسرى المصريين والفلسطينيين والجنود الأردنيين الذين قتلوا في الأسر أو على أسوار بيت المقدس سنة 1967 .
والدماء الأردنية والفلسطينية التي اختلطت على أرض الكرامة سنة 1968 ،ثم عادت لتنبعث وتختلط مع دماء المغاربة والعراقيين والسوريين والحجازيين ،والنجديين على ذرى الجولان ،وفي سفوح جبل الشيخ ،لتسيل حمراء نقية تعانق دماء خالد وشرحبيل وضرار، في مجرى نهر اليرموك وتعطر ضفاف طبريا ،ولا تتوقف حتى تلثم مغطس المسيح ومعمدانية يحيى لتصل الى البحر الميت فتحييه في رمضان سنة 1973.
إن هذه الدماء المصرية والجزائريية والكويتيية والسودانيية التي روت أرض سيناء التي "تنبت بالدهن وصبغ للآكلين "لتُنبت الحرية والعزة والكرامة ،التي اصطفى الله موسى عليه السلام من أجلها وناداه وكلمه فيها ،هذه الأرض المباركة لتتشوق اليوم كما الأمس ،في جامعات القاهرة ،وطنطا ،والإسكندرية ،وعين شمس ،متجاوبة مع صدى الجامعات الفلسطينية في بير زيت ،وبيت لحم ،ونابلس ،والخليل وغزة هاشم ، مرددة مع جامعة الأوزاعي والعربية ،واللبنانية ،واليسوعية ، في بيروت ،كما كانت في جامعة اليرموك في اربد والجامعة الأردنية في عمان لتقول لوزير خارجية روسيا ،(إفانوف)كما قالت من قبله بأيام لرئيس وزراء فرنسا (جوسبان) :كفوا أيديكم عن إخواننا في الشيشان ولبنان ،واخرجوا كما يخرج كل معتد غاصب مذمومين مذؤمين مدحورين ،كما خرج ويخرج صنائعكم ،وحثالتكم ،وحثالة كل شعوب الأرض الذين تخلصتم منهم وحشرتموهم في أرضنا ،لتتخلصوا منهم ومن شرورهم ،بدعوى العطف عليهم ،وتمكينهم من العودة الى وطنهم القومي كما زعمتم ، ثم لنكتوي نحن بنار حقدهم الذي زرعتموه فيهم ،وليزكموا أنوفنا بنتن خبثهم وكراهيتهم لبني البشر عموما،وللأنبياء وأتباعهم خاصة،بعد أن حشدتم لهم كل قوة ، وأمددتموهم بالمال والبنين ليكونوا أكثر نفيراً ،ولكننا ها نحن الآن نسوء وجوههم في كل يوم مرة أو مرتين ،كما يسوء إخواننا في الشيشان وجوهكم في كل يوم مرات ومرات، ولتخرجن من هناك كما خرجتم في كل مرة منذ قرون خائبين خاسرين .
إن المشاعر التي تؤججها فينا ذكرى مجموعة دير ياسين -(أو مجموعة دلال المغربي) كما يحلو للبعض تسميتها- هي نفس المشاعر التي حركت الطلاب يومها ،ليقوموا بهبات وانتفاضات متفلتين من قيودهم ،ليشفوا غليلهم من أعداء الأنبياء والبشرية الغاصبين.
إنها المشاعر الدينية والقومية والوطنية التي دفعت الشمري اليماني ورفيقه ،والشبل اللبناني أسامة ورفيقيه ،ومن قبلهم عز الدين القسام ورفاقه،وعبد الناصر ومجموعته، وكايد عبيدات ومن معه، وضرار الشيشاني ،وغيرهم كثير ممن لايحصيهم الا الله من أبناء أمتنا الواحدة،الذين قدموا أرواحهم رخيصة ،وأراقوا دماءهم زكية من أجل رفعة أمتهم وكرامتها.
إنها المشاعر التي تحتم علينا أن لا ننسى هؤلاء الكرماء الشرفاء الذين قُتلوا –ولا يجوز أن نقول ماتوا- قتلوا لنعيش ، واختلطت دماؤهم لتصفو دماءنا ،وتمزقت أشلاؤهم للتتوحد قلوبنا ، وفارقوا ديارهم وبلادهم لنلاقي ديارنا وبلادنا،وصبروا على فراق الأحبة والخلان والأهل حتى نكون أحبة وأخلاء وأهل .
إنها المشاعر التي أخرجت اللبنانيين قبل أيام قليلة للدفاع عن المناضلين اليابانيين أكوموتو ورفاقه للبقاء في لبنان بجوار فلسطين التي ناضلوا وخاطروا بأنفسهم من أجل حريتها وكرامتها ثم ما لبثوا أن اعتنقوا دين أهل هذه البلاد فأسلم بعضهم وتنصر البعض الآخر .
إنها المشاعر التي تأججت في صدور نساء وفتيات هذه الأمة يوم أن عرفن أن قائدة عملية دير ياسين امرأة في عمر الزهور مثلهن،قدَّمت ما عجزت كتائب المحتلين عن رده وقمعه، فكانت نساؤنا خيراً ألف ألف مرةٍ من رجالهم ومغاويرهم حزماً وصبراً واستشهاداً .
أنها المشاعر التي جمعت عرب الشام ،وأكراد العراق ،ونوبيي مصر ،تحت راية صلاح الدين في حطين وعكا ليمهد الطريق لتطهير بيت المقدس من الصليبيين.
إنها المشاعر التي جمعت مماليك مصر، وأحرار الشام ،على أرض عين جالوت ،لرد كيد الغزاة المعتدين ،من التتار والمغول ،الذين عاثوا في بلاد العرب والمسلمين فساداً ،انعدم نظيره على مدى السنين والقرون ، حتى دمروا عاصمة الدنيا والخلافة يومها ؛بغداد دار السلام بمساعدة الشعوبيين والباطنين من أعداء هذه الأمة ،الذين جعلوا من الخليفة المستعصم آنذاك ،كرة يتراكلونها بأقدامهم حتى فارق الحياة.
إنها المشاعر التي تصرخ في القُطريين (بضم القاف)،والجهويين ،والشعوبيين ،والباطنيين ،من أبناء جلدتنا ،الذين أعانوا التتار علينا حتى حرَّقوا بغداد ودمروها فوق رؤس أبنائها ،وألقوا بتراثنا في مياه دجلة ،وأعانوا الفرنجة علينا حتى أخرجونا من الأندلس ، وأعانوا اليهود حتى مزقوا شامنا المبارك ،وهلالنا الخصيب ،أعانوا اليهود ليجعلوا من لبنان الصغير في حجمه ،الكبير بأبنائه لبنانين ،ويسعون الآن لجعل ما تبقى من أرض فلسطين فلسطينين ، نقول لهؤلاء المارقين من قُطريين (بضم القاف) ، وجهويين ،وشعوبيين ،وباطنيين أن يكفوا عن مكرهم السيء بهذه الأمة التي جعلها الله أمة واحدة لتبقى ،وأما أؤلئك الماكرين الذين ما حاق مكرهم السيء إلا بهم ،فمالهم في الدنيا الا الخزي ،ولعنة شعوبهم وشعوب أعدائهم وما لهم في الآخرة إلا عذاب النار ،وبئس المصير.
إنها المشاعر التي تحتم علينا إرضاعها لأبنائنا وأحفادنا ،مع حليب الأمهات ،وتغذيتهم بها مع أول اللقمات ،أن هذه الأمة أمة واحدة ،في دينها ،ومشاعرها ،ولغتها ،وجهادها ،وأرضها ،وهدفها ومصيرها وآمالها وألامها وشهدائها مهما شكك المشككون وكاد الكائدون.
إنها المشاعر التي ألهبت أحاسيس الطيار الشراعي العربي السوري (خالد أكر )،الذي هبط بطائرته الشراعية المفاجئة التي لم تخطر لهم على بال ،يوم 26/11/1987 مفتتحاً بذلك يوم 7/12/1987 أي بعد عدة أيام فقط من استشهاده مفتتحاً ثورة الإنتفاضة الشعبية التي حققت ما حققت على مدى عدة سنوات ،ما عجزت الجيوش عن تحقيقه ..هبط وسط معسكر من معسكرات الإحتلال الصهيوني وحده ،ليذقهم وحده ببأس ألف رجل ،ما تعجز ألوفهم من فعله أو حتى التفكير به.
إنها المشاعر التي ألهبت أحاسيس الضابط الشيشاني في القوات الخاصة (ضرار الشيشاني ) ليتسلل عبر الأسلاك الشائكة ،والحواجز المختلفة وحده أيضاً ،ليذقهم بأس الرجال الرجال من هذه الأمة الواحدة التي لن تموت.
فهل نحفظ لمجموعة دير ياسين ولآلاف المجموعات والأفراد الأمم غيرهم ممن "صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا "هل نحفظ لهم عهدهم الذي قضوا نحبهم من أجل تحقيقه ولو بالذكرى والترحم والدعاء ؟!