الخامس من حزيران وفيض من الأحزان
تمر علينا ذكرى الخامس من حزيران الأليمة.
ذكرى سقوط باقي فلسطين الحبيبة.
والجولان المحتل.
وسيناء السليبة رغم التحرير !!!!!!!
ذكرى ضياع أولى القبلتين، وثالث المسجدين.
ذكرى تشرد الأهل والأحبة
ذكرى احتفال إخوان القردة والخنازير بنصرهم المؤزر المبين، وهزيمتنا المرة الأليمة.
ذكرى احتفال الصهاينة بالاستيلاء على أقصانا المبارك.
استيقظت صبيحة ذلك اليوم المشئوم في منطقة (عراق الأمير) غرب (وادي السير) بين بيت المقدس، وعمان البلقاء على بكاء ونحيب والدي وأخواتي.
إذ كنا في ذلك اليوم نعمل في تلك المنطقة في حصاد القمح الذي نضج، وكانت الأسرة مقسومة قسمين:
قسم فيه جدي وأخواتي الثلاث في مخيم الدهيشة – بيت لحم.
وقسم فيه والدي ووالدتي وزوجة أبي وبعض إخواني وأخواتي الصغار الذين يصغرونني سناً، وكنت يومها لم أتجاوز التاسعة إلا بشهور قليلة.
استيقظت مبكرا كعادة الحصادين ولكنني لم أنطلق (لأتصيف) كعادتي كل يوم، بل لأفغر فمي مندهشاً من هذا التحول المفاجئ في الأسرة داخل هذه الخيمة الصغيرة التي تجمعنا.
ولأرى والدي متشبثاً بالمذياع يقلب محطاته، ويضرب كفا بكف ويولول، ولا يستقر في مكان.
يمسح دموعه بكوفيته، وينظر إلى الغرب، إلى بيت المقدس متأوها حزينا.
وسرعان ما تكشفت لي الحقيقة.
ضاع ما تبقى من فلسطين الحبية.
ولن نقف في كل صباح نردد في ساحة المدرسة: عائدون، عائدون.
بل سنردد منذ اليوم: لاجئون .. لاجئون.. نازحون.. نازحون.. محتلون.. محتلون.
لأن شعبنا كان مواطناً ولاجئاً، وصار اليوم:
لاجئا ونازحاً ومحتلاً.
وسرعان ما بدأت طلائع اللاجئين تصعد ذاك الوادي متوجهة إلى عمان عبر (عراق الأمير)
وبدأت طلائع الجيش المنهك المنسحب مع الظهر بالوصول إلى تلك المنطقة.
وتحول والدي يبحث لنا عن سيارة تقلنا من تلك المنطقة إلى عمان كسائر المنسحبين واللاجئين.
ووصلنا عمان مع أول الليل، ولكنها كانت غارقة في الظلام بسبب الخوف من الغارات الليلية.
ونزلنا في بيت أحد المواطنين الذي أصر على استضافتنا مع شاة لنا في تلك الليلة.
وفي الصباح توجهنا إلى كلية الحسين في جبل الحسين والتي صارت كغيرها من المدارس مأوىً للاجئين.
وبدأت تتكشف مآسي الأسر التي تشردت وتفرقت لعدة أسباب يجمعها سبب واحد هو الحرب.
ومكثنا في تلك المدرسة أياماً وليالي لا أعرف عددها.
ثم نقلونا بحافلات إلى غور النمرين، لنكون قريباً من (الشريعة) وهو اسم نهر الأردن في طريق العودة إلى فلسطين.
إلى الضفة الغربية من نهر الأردن.
إلى الضفة الغربية من المملكة الأردنية الهاشمية.
وصرنا نشرب من صهاريج تنقل لنا الماء من (الشريعة).
وصرنا ننظر إلى الشريعة تحت أقدامنا، وإلى القدس فوق رؤوسنا ونحسب الليالي والأيام للعودة.
وبدأ البعض يعودون فعلاً.
ولكنه كان عددا محدودا تحت ما سمي حينها: بـ (لم الشمل).
ولم نعد بـ (لم الشمل).
وانتهى الصيف ودخلا الخريف.
ودخلنا الصف الرابع الابتدائي في خيمة كبيرة عالية أكبر من خيمتنا التي ننحشر فيها (14) أربعة عشر فرداً.
وانتهى الخريف، ونزل المطر، وصارت الأرض طينية زلقة.
وحل عيد الفطر بعد رمضان بئيس.
وصار القصف على المخيم ليل نهار.
وخرجنا في شاحنة قلاب إلى الفحيص.
ثم إلى (مخيم ماركا) أو (مخيم حطين) فيما بعد.
ومضت السنون حبلى ومثقلة بالأحزان.
وضرنا في الأرض شرقا وغرباً، وشمالاً وجنوباً.
فلم نر، ولن نر، مثل فلسطين.
ولم ننس، ولن ننسَ فلسطين.
ولا شك أننا لاجئون نازحون محتلون.
ولكننا عائدون ـ إن شاء الله ـ عائدون.