قيد الإنشاء.

المستكشف

الأستاذ علي البياري أبو معن ومعن بن زائدة والأسود

 

الأستاذ علي البياري
 
أبو معن
 
ومعن بن زائدة والأسود
 
قليلون هم الرجال الذين تعلق ذكراهم برأسك عندما تختلط المفاهيم ويصبح الناس ويمسون وهم يغيرون جلودهم صبح مساء كما تغير الحية جلدها صيف شتاء، فأهل الوفاء في زماننا قليلون، ومن نذكرهم بالوفاء أقل.
وممن علق بذاكرتي ممن علموني قليلون بجدهم وإخلاصهم وتفانيهم في الأداء والذين لا زلت أكن لهم كل تقدير ومحبة واحترام من كان منهم لا زال حيا يرزق او ممن لقوا وجه الله راجياً لهم واسع الرحمة وفسيح الجنة
ومن هؤلاء ومن أوائلهم أستاذي الكبير ومُرَبِيَّ الفاضل الأستاذ علي البياري أبو معن رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنته وعامله بمغفرته وفضله، وهو ممن حبب إلى قلبي اللغة العربية، وبذر فيَّ بذرة البحث العلمي وتتبع مصادر النصوص الأدبية وحب الرجال الذين تعلمنا من كتاباتهم ونصوصهم شعرا ونثراً.
ومنذ أن كنت في الصف الثاني الإعدادي وكان الأستاذ علي البياري رحمه الله تعالى يعلمنا اللغة العربية وكان من أوائل النصوص الأدبية في تلك الفترة في نحو سنة 1391/1392هـ، الموافق 1971/1972م هذا النص الذي أرسله إليَّ مؤخراً عبر البريد الإلكتروني أحد الأحبة الفضلاء الأستاذ الدكتور سمير أيوب والمقيم والأستاذ في الجامعات البولندية وأنا أكن لأستاذي الكبير علي البياري كل محبة واحترام وتقدير وكان آخر مرة التقيته بها في مقبرة مادبا في جنازة أحد أقربائه والد الصديقين العزيزين سمير ونبيل البيارى وقد أردت يومها ان أقبل يده احتراما وتقديرا فأبى أشد الإباء رحمه الله تعالى.
أذكر يوم أن جاء بابنه معن وكان في الثاني الابتدائي حينها او نحو ذلك ليشرح لنا هذا النص الأدبي (معن بن زائدة والأسود) وطلب من ولده معن ـ والذي أصبح فيما أخبرني به ابوه بعد ذلك صحفياً تخرج من بعض كليات الإعلام في الجامعات المصرية ـ أن يقرأ ذلك النص ـ وقد علمت حينها ممن سبقوني في الصفوف أن الأستاذ الفاضل قد فعله معهم عندما كانوا في مثل صفي وجاء بولده الصغير ليقرأ لهم النص الكبير وليزرع في النفوس حب الخير والمثابرة على تحصيل العلم الذي هو مفتاح المكارم والذي من خلالها تعلمنا مكارم معن ومن هو أكرم منه ذاك الأسود الفقير في دنياه الغني بأخلاقه وسجاياه.
فلما وصلني النص وتذكرت تلك السنين الجميلة وذاك الأستاذ الكبير والمربي الفاضل أردت ان انقله إلى موقعي ومدونتي تحت عنوان أغرب ما قرأت ولكن وجدت أن من أقل الواجب تجاه أستاذي الكبير ومعلمي الفاضل أن أذكره بين يدي الناس لأنه من أغرب مَنْ علموني جزاهم الله عني كل خير
 
وإليك النص منقولاً كما وصلني
 
معن بن زائدة والأسود
 
 
طلب أبو جعفر المنصور خصمه معن بن زائدة طلباً شديداً، وجعل لمن يأتيه به أو يدلّ عليه مالاً كثيراً.

ضاقت الأرض بمعن فلجأ إلى طريقة تـُخفي عن الناس هويته، فكان يقف في الشمس ساعات طويلة لعدة أيام، حتى لوّحت الشمس وجهه، ولبس جبة صوف غليظة، وقص من لحيته.

ثم ركب جملاً من الجمال التي تنقل الأمتعة، بدون أن يكون على الجمل ما يكون كالمِحَفة، وخرج إلى البادية ليقيم فيها.

فلما خرج من أحد أبواب بغداد، وهو على هذه الصورة المموّهة، تبعه رجل أسود متقلداً سيفاً. فلما ابتعد عن حرّاس الأبواب، أمسك بخطام الجمل الذي يركبه معن، فأناخ الجمل وقبض على معن.

فقال له معن: مالك؟

قال: أنت الذي يطلبه أمير المؤمنين.

قال معن: وما أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟

قال: أنت معن بن زائدة.

فقال معن: يا هذا، اتقِ الله، وأين أنا من معن؟

قال: دع عنك هذا فأنا والله أعرف بك منكَ.

فلما رأي معن الِجدّ من الرجل، وأنه متأكد من معرفته قال له: هذا عقد جوهر، وقد حملته معي، وقيمته أضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بمعن. فخذه ولا تكن سبباً في سفك دمي.

فقال الرجل: هاتِ العقد.

فأخرج معن العقد وأعطاه إياه، فنظر فيه وتأمله ثم قال:
صدقت في تقديرك لقيمة العقد، ولكنني لا أقبله إلا بعد أن أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك.

فقال معن: قل ما تريد.

قال الرجل: إن الناس قد وصفوك بالجود والكرم، فاخبرني: هل وهبت مالك كله قط؟

قال: لا.

قال: فنصفه؟

قال: لا.

قال: فثلثه؟

قال: لا. وما زال ينزل حتى وصل إلى العشر، فاستحيا معن وقال: أظن أني قد فعلت هذا.

قال الرجل: ليس ذلك بعظيم. أنا والله لا أملك دابة، ورزقي الذي أتقاضاه من خدمتي لأبي جعفر المنصور كل شهر عشرون درهماً – أي حوالي دينار في الشهر أو دينارين – وهذا الجوهر الذي قدمته إليّ قيمته ألوف الدنانير، وقد وهبته لك ووهبتك لنفسك ولجودك المشهورَين بين الناس.

ولتعلم أن في هذه الدنيا من هو أجود منك، فلا تعجبك نفسك، ولتحتقر بعد ذلك كل جود فعلته، ولا تتوقف عن مكرمة وإحسان.

ثم رمى العقد في حجر معن، وترك خطام الجمل وولى منصرفاً؟

فقال معن: يا هذا، والله قد فضحتني، وإن سفك دمي أهون عليّ مما فعلت، فخذ ما دفعته لك، فإنني غني عنه.
فضحك الأسود وقال: أردت أن تكذبني في نفس الوقت الذي قلت لك فيه هذا القول.. والله لا أخذته ولا آخذ لمعروف ثمناً. ومضى لسبيله.

قال معن: والله لقد طلبت هذا الأسود بعد أن نلت الأمان. وبذلت لمن يجئ به إليَّ ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض ابتلعته.

والسلام عليكم

عبد الستار أحمد فراج : مجلة العربي العدد 168 نوفمبر 1972

الإعداد بتصرف: محمود عباس مسعود