بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الكريم
أما بعد
فإن المتتبع لأخبار الاستفتاء على عدم رفع المآذن في (سويسرا) والحائز على نسبة زادت عن 57% من أصوات المستفتين، والذي ربما يكون في غيرها من الدول الأوروبية خاصة، والغربية عامة في المستقبل، يجد الناس ـ وكالعادة ـ طرفان ووسط، ولأن ديننا دين الوسطية والاعتدال، وأمتنا أمة الوسطية والاعتدال أيضا، والمتمثل في قوله تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.
فإني سأنتهج في هذا التقرير الوسطية القرآنية الشرعية، وليست الوسطية العلمانية الديمقراطية بين اليمين واليسار، وبعد ان قرأت العديد من آراء المسلمين وغير المسلمين حول هذا الاستفتاء ونتائجه، وشاهدت واستمعت لبعض المناقشات حول هذا الاستفتاء خلصت إلى أن الناس فيه بين:
* معارض لهذا الاستفتاء على اعتبار أنه يمس (الرموز الدينية) وبين:
* مؤيد لهذا الاستفتاء لأنه يحارب (الرموز الدينية) ولا يحارب الدين. وبين:
* متوقف عن التأييد والمعارضة لأن المآذن ليست رمزا دينياً معصوماً بالنص الشرعي، كالحجاب مثلاً، وإنما هو (رمز دينيٌ) حادث أحدثه الناس ولم ينزله رب الناس، ولا جاء به خير الناس محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
وأنا أقرب إلى هذا القسم الثالث الذي هو وسط بين طرفين، فأنا أعارض المَسَّ بالدين وشعائره مهما كانت هذه الشعائر، إذا ثبتت في كتاب الله وسنة رسوله، وأويد منع كل (الرموز الدينية) التي أحدثها الناس بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، أو أُحدثَت في القرون الثلاثة، وأنكرها أهل العلم أو بعضهم في تلك القرون، ولا أرى ضرورة مطلقاً لاصطناع معارك وهمية مع غيرنا، خاصة ممن يدينون بدينهم الجديد (الديمقراطية) من أبناء جلدتنا، والمتكلمين بألسنتنا، والمنتسبين إلى أمتنا ـ إسماً ـ وهم في كل حقائقهم وحياتهم من غيرنا قلباً وقالباً فجنسياتهم غربية، ومعاشاتهم غربية، وأبناؤهم وبناتهم غربيون، ونساؤهم غربيات، وقلوبهم غربية، ومعيشتهم غربية، ونقاشهم وكفاحهم مبني على (الديمقراطية) الغربية ولا ينتسبون إلينا إلا بالمآذن، والقباب، والمحاريب، والقبور المبنية المجصصة، والأقواس، والزخارف، والملابس..إلخ مما أحدثه الناس باسم الفن الإسلامي، والتراث الإسلامي والعمارة الإسلامية.
والمآذن من (الرموز الدينية) التي أحدثها الناس وخاصة السلاطين الذين غلبوا على أمر الناس واتبعوا أهواءهم في تقليد من سبقهم من الأمم دون إعتبار لأقوال أهل العلم، ودون اقتداء بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم ـ من عِلم الله ـ أنه سيكون منائر ـ يعني مآذن ـ ولذلك أخبر عنها، ولم يعمل صلى الله عليه وسلم على إقامتها، ولا أمر أصحابه رضي الله عنهم بذلك، ولم يبادروا هم لإقامتها ليقرهم عليها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، ولو كان خيرا لسبقنا إليها صلى الله عليه وسلم، وهو السباق إلى الخيرات دوماً، ولسبقنا إليها الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الصحابة الكرام.
ولم يبادر الصحابة رضي الله عنهم إلى إقامتها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مع أنهم أقاموا ما هو أعظم منها؛ ألا وهو دين الله تبارك وتعالى، ودولة الإسلام التي شملت في زمانهم شمال إفريقيا كله، وأواسط آسيا، وَغَزَوْ القسطنطينيةَ مدينة المنائر والقباب وحاصروها ووقفوا على أسوارها، ولم ينقلوا من عمارتها شيئاً حتى تولى الخلافة والملك والسلطان بعدهم مَنْ هو دونهم في العلم والدين والفهم والعقل والعمل باتفاق المسلمين، فنقلوا لنا من الغرب فنون عمارتهم وأخلاقهم وفلسفتهم وتراثهم الأغبر، تقليداً لهم ومباهة بالجدي، وقد تتبعت كتب التاريخ والسنة لأقف على بدء المنارات في الإسلام فوجدت هذه الإشارة النبوية:
روى مسلم في صحيحيه برقم (7560) عن النواس بن سمعان قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«..إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَيَنْزِلُ عِنْدَ المنارة الْبَيْضَاءِ شَرْقِىَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأَسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ فَلاَ يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلاَّ مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِى حَيْثُ يَنْتَهِى طَرْفُهُ».
ومنارة دمشق معروفة للعلماء من القديم فقد ذكرها محمد بن عبد المنعم الحِميري المتوفى سنة (727هـ) في كتابه «الروض المعطار في خبر الأقطار» (1/240) فقال:
«ولدمشق ثمانية أبواب: باب شرقي، وهو شرقي المدينة، وفيه منارة بيضاء يقال إن عيسى عليه السلام ينزل فيها كما جاء في الأثر أنه ينزل في المنارة البيضاء شرقي دمشق».
فلماذا لم يعمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه وبعده المنائر وهم يعلمون حتمية وقوعها بعد؟!
ثم لما كانت المنارات بعد ذلك ـ وأول من أدخلها على مسجد دمشق ثم المسجد النبوي بعد ذلك الوليد بن عبد الملك بعد سنة 86هـ ـ لم يكن من تبقى من الصحابة راضين عما أحدث من العمارة بالجملة كإدخاله القبر الشريف ضمن توسعة المسجد وغيرها من المحدثات في البناء.
بل إن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما وسع المسجد وجصصه وحَسَّن في بنائه أنكر عليه بعض الصحابة ذلك فاحتج عليهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «بنى الله مثله في الجنة». حيث اخرج البخاري بسنده عن عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلاَنِىَّ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْرٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِى الْجَنَّةِ» .
وبتتبعي للأحداث التاريخية وجدت أن أول من أنشأ المنارات ملك قديم يقال له لوجيم بن نقاوش قبل طوفان نوح عليه السلام حيث قال المقريزي في «المواعظ والاعتبار» (1/164)
«وملك بعده لوجيم بن نقاوش، ويقال: بل هو من بني نقراوش الجبار، ويعرف: بلوجيم الفتى، وهو الذي أخذ الملك من عرياق بن عيقام الكاهن، وردّه لبني نقراوش بعدما خرج منهم بلا حرب، ولا قتل وكان عالماً بالكهانة، والطلسمات فعمل أعمالاً عجيبة منها: أن الغداف والغراب كثر في أيامه، وأتلف الزرع، فعمل أربع منارات في جوانب مدينة أمسوس الأربعة، وعلى كل منارة، صورة غراب في فمه حية قد التوت عليه، فنفرت عنهم الطيور المضرّة من حينئذ، ولم تقر بهم حتى زالت المنارات بالطوفان». انتهى.
وقد أُمِرَ بها موسى عليه السلام بزعم اليهود كما نقل ابن كثير ـ وغيره ـ في «قصص الأنبياء» (2/170-171):
«وقد أمر الله موسى عليه السلام بعمل قبة الزمان.... ويصنع منارة من الذهب دلى فيها ست قصبات من ذهب، من كل جانب ثلاثة، على كل قصبة ثلاث سرج. وليكن في المنارة أربع قناديل، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب. صنع ذلك "بصليال" أيضا، وهو الذي عمل المذبح أيضا». انتهى.
ثم كان بعد ذلك منارة الإسكندرية والتي قال فيها الإمام الشافعي كما في «الدارس في تاريخ المدارس» لعبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي، المتوفى سنة 927هـ) (2/294):
«عن الشافعي يقول: عجائب الدنيا خمسة أشياء أحدها منارتكم هذه يعني منارة ذي القرنين» انتهى.
وقال السيوطي في «تاريخ الخلفاء» (1/249):
«وفي سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى سقط منها رأس منارة الإسكندرية».
ووصفها وحكى من تاريخها زكرياء بن محمد بن محمود القزويني في «آثار البلاد وأخبار العباد» (1/89) حيث قال:
«ومن عجائبها [الإسكندرية] المنارة أسفلها مربع من الصخر المنحوت، وفوق ذلك منارة مثمنة، وفوق المثمنة منارة لطيفة مدورة، طول الأولى تسعون ذراعاً، والمثمنة مثل ذلك، وطول اللطيفة المدورة ثلاثون ذراعاً، وعلى أعلى المنارة مرآة وعليها موكل ينظر إليها كل لحظة، فإذا خرج العدو من بلاد الروم وركب البحر، يراه الناظر في المرآة ويخبر القوم بالعدو فيستعدون لدفعه. وكانت المرآة باقية إلى زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فأنفذ ملك الروم شخصاً من خواصه ذا دهاء، فجاء إلى بعض الثغور وأظهر أنه هارب من ملك الروم ورغب في الإسلام، وأسلم على يد الوليد بن عبد الملك واستخرج له دفائن من أرض الشام. فلما صارت تلك الأموال إلى الوليد شرهت نفسه فقال له: يا أمير المؤمنين إن ههنا أموالاً ودفائن للملوك الماضية. فسأله الوليد عن مكانه فقال: تحت منارة الإسكندرية، فإن الإسكندر احتوى على أموال شداد بن عاد وملوك مصر والشام فتركها في آزاج وبنى عليها المنارة. فبعث الوليد معه قوماً لاستخراجها فهم نقضوا نصف المنارة وأزيلت المرآة، فضجت الناس من أهل الإسكندرية. فلما رأى العلج ذلك وعلم أن المرآة أبطلت هرب بالليل في مركب نحو الروم وتمت حيلته.
والمنارة في زماننا حصن عال على نيق جبل مشرف على البحر في طرف جزيرة، بينها وبين البر نحو شوط فرس، ولا طريق إليها إلا في البحر المالح، وهي مربعة ولها درج واسعة يصعدها الفارس بفرسه. وقد سقفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفين للدرجة، فترتقي إلى طبقة عالية مشرفة على البحر بشرفات محيطة، وفي وسطه حصن آخر يرتقى إليه بدرجة أخرى فيصعد إلى طبقة أخرى لها شرفات، وفي وسطها قبة لطيفة كأنها موضع الديدبان.
قال أبو حامد الاندلسي: بعين شمس تماثيل عملتها الجن لسليمان، عليه السلام. بها منارة من صخرة واحدة من رخام أحمر منقط بسواد، ومربعه أكثر من مائة ذراع، على رأسها غشاء من النحاس، والوجه الذي إلى مطلع الشمس من ذلك الغشاء فيه صورة آدمي على سرير، وعلى يمينه وشماله صورتان كأنهما خادمان، ويترشح من تحت ذلك الغشاء أبداً ماء على تلك المنارة. ينبت الطحلب الأخضر على موضع مسيله من تلك المنارة وينزل مقدار عشرة أذرع، ولا يتعدى ذلك القدر ولا ينقطع نهاراً ولا ليلاً. قال: وكنت أرى لمعان الماء على تلك الصخرة وأتعجب من ذلك، فإنه ليس بقرب تلك المدينة نهر ولا عين، وإنما كان شربهم من الآبار، والله أعلم بالأمور الخفية». انتهى.
ثم نقل السيوطي في « الحاوي للفتاوي» (2/28) عن الأقفهسي في «تاريخ المدينة» : قيل كان عرض الجدار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم لبنة ثم إن المسلمين لما كثروا بنوه لبنة ونصفاً ثم قالوا يا رسول الله لو أمرت لزدنا فقال نعم فزادوا فيه وبنوا جداره لبنتين مختلفتين ولم يكن له سطح فشكوا الحر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأقيم له سواري من جذوع ثم طرحت عليها العوارض والحصر والأذخر فأصابتهم الأمطار فجعل يكف عليهم فقالوا : يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطين فقال عريش كعريش موسى والأمر أعجل من ذلك . ولما زاد فيه عمر جعل طوله مائة وأربعين ذراعاً وعرضه مائة وعشرين ذراعاً وبدل أساطينه بأخر من جذوع النخل وسقفه بجريد وجعل طول السقف أحد عشر ذراعاً وفرشه بالحصى ، ولما زاد فيه عثمان ذلك في ربيع الأول سنة تسع وعشرين جعل طوله مائة وستين ذراعاً وعرضه مائة وخمسين ذراعاً وجعل أبوابه ستة ، ولما زاد فيه عمر بن عبد العزيز وذلك بأمر الوليد بن عبد الملك وكان عامله على المدينة جعل طوله ما تقدم عن شرح المهذب وجعل على كل ركن من أركانه الأربعة منارة للأذان وجعل له عشرين باباً وبنى على الحجرة الشريفة حائطاً ولم يلصقه بجدار الحجرة ولا بالسقف وطوله مقدار نصف قامة بالآجر ، فلما حج سليمان بن عبد الملك هدم المنارة التي هي قبلي المسجد من الغرب لأنها كانت مطلة على دار مروان فأذن المؤذن فأطل على سليمان وهو في الدار فأمر بهدمها». انتهى.
ثم قال بعد ذلك:
« ثم في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة إحدى وسبعمائة جدد سقف الرواق الذي فيه الروضة الشريفة، ثم جدد السقف الشرقي والغربي في سنة خمس وسبعمائة ، ثم أمر بعمارة المنارة الرابعة مكان التي هدمها سليمان بن عبد الملك فعمرت سنة ست وسبعمائة». انتهى.
ولاحظ أمر سليمان بن عبد الملك وفعله بهدمها ولا نعلم احداً من أهل العلم في زمانه ـ وهم القائمون بحجة الله على خلقه في كل زمان ومكان، الظاهرين بالحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ـ أنكر عليه فعله أو أمره بهدمها، لأن حجته قوية في صيانة أعراض المسلمين من مثل هذا المُحْدَث، ثم لاحظ تأخر إعادة إعمارها لأكثر من ستمائة سنة.
ثم أدخل المنصور العباسي المنائر على المسجد الحرام في مكة بعد سنة سبع وثلاثين ومائة حيث قال عبدالله سالم نجيب في «تاريخ المساجد الشهيرة» (1/31) عن منارات الحرم:
«أما منارات الحرم فإن أبا جعفر المنصور بنى أول منارة على باب العمرة، ثم جاء ابنه المهدي فأنشأ ثلاث مآذن فصارت أربعاً، ثم ضم إليها المعتضد العباسي منارة خامسة، ثم أضاف السلطان قايتباي من ملوك المماليك سادسة. ثم في عهد السلطان سليمان بن سليم أضيفت منارة سابعة، ثم بعد الزيادة الأخيرة في أيامنا بلغت منارات الحرم المكي تسعاً في غاية الروعة والجمال يصل ارتفاعها إلى 89 متراً».
ثم هذا تفصيل بتاريخ المنائر في المسجد الحرام وهو خير بقاع الأرض ومتى أُحْدِثَت فيه، حيث يقول الدكتور محيي الدين أحمد إمام في كتابه « فى رحاب البيت العتيق» (ص: 104):
«منائر المسجد: وكانت كالآتى:
(1) منارة باب العمرة:
سنة 551هـ وعمرها صاحب الموصل " محمد الجواد الأصفهانى " ثم جددها السلطان سليمان خان العثمانى سنة 931هـ ثم جددها الشريف سرور سنة 1201هـ
(2) منارة باب الوداع:
سقطت سنة 771هـ في زمن الملك الأشرف شعبان بن السلطان حسن سلطان مصر فعمرها.
(3) منارة باب علي:
هدمت سنة 970هـ في زمن الملك الأشرف شعبان بن السلطان حسن سلطان مصر فعمَّرها وأعاد أبنائها.
(4) منارة باب السلام:
هدمت عام 816 هـ في زمن الناصر فرج بن برقوق الجركسى وجددت عمارتها سنة 983هـ بأمر السلطان مراد خان الثالث العثمانى.
(5) منارة قايتباي:
كانت أجمل المنائر السبع القديمة وتقع فى المساحة ما بين باب على وباب السلام قرب مدرسة قايتباى القديمة فى جهة المسعى على يسار الداخل من باب السلام.
(6) المنارة السليمانية:
بناها السلطان سليمان وتقع أمام المحكمة فى المسافة بين باب السلام وباب الزيادة وتقع على يسار الداخل من باب الزيادة.
(7) منارة باب الزيادة». انتهى.
ثم تتبعت تاريخ المنائر وذكرها في حواضر الإسلام كمكة ودمشق، والرملة، والقاهرة، وصنعاء وغيرها فوجدت أن بناءها كان قليلاً ومتأخراً فمثلاً في مكة أشرف البقاع قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي، المتوفى سنة 272هـ) مؤرخاً للمنارات فيها في «أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه» (2/154):
«..حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى المنارة الَّتِي فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ بَابِ بَنِي سَهْمٍ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ أَبِي جَعْفَرٍ». ثم قال بعده في (2/162):
«سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ: قَبْلَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَهْدِيُّ الْمَسْجِدَ إِلَى مُنْتَهَاهُ الْيَوْمَ مِنْ شِقِّ الصَّفَا وَالْوَادِي , ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى مِطْمَارِهِ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى زَاوِيَةِ الْمَسْجِدِ الَّتِي تَلِي الْحَذَّائِينَ وَبَابَ بَنِي شَيْبَةَ الْكَبِيرَ إِلَى مَوْضِعِ المنارة الْيَوْمَ , ثُمَّ رَدَّ جَدْرَ الْمَسْجِدِ مُنْحَدِرًا حَتَّى لَقِيَ بِهِ جَدْرَ الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ الَّذِي مِنْ بِنَاءِ أَبِي جَعْفَرٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَرِيبًا مِنْ دَارِ شَيْبَةَ». ثم قال بعده في (2/165):
«وَهَذِهِ الْبِئْرُ قَائِمَةٌ فِي أَصْلِ المنارة إِلَى الْيَوْمِ، يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهَا وَيَسْقُونَ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ الْحَارِثُ بْنُ عِيسَى عَمَّرَهَا فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَةٍ». ثم قال بعده في (2/172)
«وَعَرْضُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ المنارة الَّتِي عِنْدَ بَابِ الْمَسْعَى إِلَى المنارة الَّتِي عِنْدَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ الْكَبِيرِ مِائَتَا ذِرَاعٍ وَثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ ذِرَاعًا». ثم قال بعده في (2/181):
«وَمِنْ رُكْنِ الْكَعْبَةِ الشَّامِيِّ إِلَى حَدِّ المنارة الَّتِي تَلِي الْمَرْوَةَ مِائَتَا ذِرَاعٍ وَأَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ ذِرَاعًا , وَمِنْ رُكْنِ حَدِّ الْكَعْبَةِ الْغَرْبِيِّ إِلَى حَدِّ المنارة الَّتِي تَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ مِائَتَا ذِرَاعٍ وَثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ وَاثْنَتَا عَشْرَةَ أُصْبُعًا , وَمِنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إِلَى المنارة الَّتِي تَلِي أَجْيَادَ الْكَبِيرَ مِائَتَا ذِرَاعٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَسِتَّ عَشْرَةَ أُصْبُعًا , وَمِنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إِلَى المنارة الَّتِي تَلِي الْمَسْعَى وَالْوَادِيَ مِائَتَا ذِرَاعٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا».
إلى غير ذلك من اخبار المنارات في مكة المكرمة.
ومن عجائب المنارات منارة سامراء التي لا زالت قائمة إلى الآن حيث قال القاضي التنوخي في «الفرج بعد الشدة» (1/189):
«وكان المتوكل يركب الحمار في داره كما في هذه القصة، وكان يصعد إلى أعلى منارة سامراء، وهو على حمار مريسي». وقال صاحب «لطائف المعارف» (161) معلقاً:
«هذه المنارة، ما زالت شامخة في الجو، يسميها الناس: الملوية، والطريق إلى أعلاها، يتلوى حولها، من خارجها». انتهى
وأما منارات مساجد مدينة دمشق فخير من أحصاها ووصفها الحافظ ابن عساكر في كتابه «تاريخ دمشق» حيث قال في (2/290):
1ـ «مسجد بن لبيد بالفسقار أيضا كبير له إمام ومؤذن وفيه منارة وعلى بابه سقاية الشيخ وقناية الشيخ». انتهى. ثم قال بعد ذلك في (2/291):
2ـ «ووقف مسجد بالمقسلاط كان يعرف بمسجد الطريقين له منارة محدثة وله إمام ومؤذن وعنده سقاية وقناة». انتهى.
3ـ « مسجد واثلة على رأس درب الزلاقة يجلس عند الجنائزيون كبير له إمام ووقف ومؤذن وعلى بابه قناة وله منارة محدثة». انتهى. ثم قال بعد ذلك في (2/292):
4ـ « مسجد معلق يعرف الآن بمسجد الجلادين فيه منارة وله إمام ومؤذن ووقف». انتهى. ثم قال بعد ذلك في (2/293):
5ـ «مسجد في رحبة الخاطب بناه بركات الزراد سفل لطيف له منارة خشب وله إمام ومؤذن ووقف ». انتهى. ثم قال بعد ذلك في (2/295):
6ـ « مسجد في درب الفراش مستجد.. مسجد داخل منه كبير سفل له منارة خشب يعرف ببني علان له إمام ووقف». ثم قال بعد ذلك في (2/295-296):
7ـ «مسجد الكوشك الذي فوق الأعمدة كانت دارا فبناه الملك العادل نور الدين رحمه الله تعالى مسجدا وبنى له منارة له إمام ومؤذن ووقف».
8ـ «مسجد ملاصق لكنيسة اليهود على النهر سفل لطيف مسجد معلق فوقه فيه منارة بناه نور الدين رحمة الله تعالى عليه».
9ـ «مسجد صدقة الملاصق لكنيسة مريم معلق له منارة وفيه إمام ومؤذن ووقف ويقال إن صدقة كان شوا نصرانيا فأسلم وحسن إسلامه وبنى هذا المسجد».
10ـ «مسجد الثلاج في سوق كنيسة مرين، كبير له وقف وإمام ومؤذن وفيه منارة خشب مستجدة». انتهى. ثم قال بعد ذلك في (2/297):
11ـ «مسجد درب الحجر كبير سفل قديم له منارة ووقف وإمام ومؤذن له بابان وعلى أحدهما سقاية وعلى الآخر قناة». ثم قال بعد ذلك في (2/298):
12ـ «مسجد ملاصق لباب كيبان له منارة وإمام ومؤذن ووقف». ثم قال بعد ذلك في (2/299):
13ـ «مسجد النيبطن سفل كبير له منارة وإمام ومؤذن ووقف وعلى بابه سقاية وقناة وكان عنده مسجد صيفي يصعد إليه بدرجة فعطل».
14ـ «مسجد في وسط درب الحجر مسجد كان قريبا فجعله أبو المواهب بن الشراني مسجدا له إمام ومؤذن وفيه منارة خشب». ثم قال بعد ذلك في (2/300):
15ـ « مسجد علو لها منارة تعرف بمسجد عبدة القزاز».
16ـ « مسجد قبلة كنيسة اليعقوبيين سفل لطيف له منارة». ثم قال بعد ذلك في (2/301):
17ـ «مسجد عند الشلاحة في درب السوسي له منارة مستجدة وله إمام ووقف».
18ـ «مسجد بن أبي الحديد المعلق فوق القناة كبير قديم له منارة ومؤذن وإمام ووقف وعند درجته مسجد سفل مهجور».
19ـ « مسجد بشباك وفوقه مسجد معلق له منارة وإمام ومؤذن يعرف بمسجد فيروز ومنارة فيروز» ثم قال بعد ذلك في (2/301-302):
20ـ «مسجد عند رأس درب الشاشة كان كنيسة للنصارى ثم خربت فجعل بعد ذلك مسجدا له منارة خشب وإمام ومؤذن ووقف».
21ـ «مسجد الأوزاعي مقابل دار ابن البري قديم جددته ابنة الريس أبي الذؤاد المفرج بن الصوفي وبنت فيه منارة له إمام ووقف». ثم قال بعد ذلك في (2/303):
22ـ «مسجد في رأس عقبة الصوف معلق له منارة مستجدة أنشأها الوزير المزدقاني له بابان». ثم قال بعد ذلك في (2/305):
23ـ «مسجد باب الفراديس داخل الباب ملاصق السور له منارة وفيه قناة». ثم قال بعد ذلك في (2/308-309):
24ـ «مسجد بباب الجابية يعرف بمسجد بن عطية رأس درب الأسديين سفل كبير له منارة ووقف وإمام».
25ـ «وفي القلعة المحروسة المسجد الكبير الذي أنشأه الملك العادل نور الدين أدام الله تعالى سلطانه فيه منارة وبركة وعلى بابه سفله وله إمام ومؤذن ووقف».
26ـ «مسجد على باب الصغير ملاصق للسور كبير يعرف بباب شجاع له منارة خربت ووقف ومؤذن وإمام وفيه بئر وعلى بابه مطهرة». ثم قال بعد ذلك في (2/310):
27ـ «مسجد يعرف بمسجد الخضر وبمسجد سكينة فيه بئر وعلى بابه وله منارة لطيفة». ثم قال بعد ذلك في (2/311):
28ـ «مسجد على باب توما ملاصق بالسور على يمين الخارج له منارة وإمام وعلى بابه سقاية وقناة».ثم قال بعد ذلك في (2/312):
29ـ «مسجد السبعة أنابيب له منارة خشب وعنده سقاية».
30ـ «مسجد يعرف بمسجد النبي (صلى الله عليه وسلم) في أرض المصيصة له منارة». ثم قال بعد ذلك في (2/313):
31ـ «مسجد في زقاق الزمان بقرب العقيبة له منارة». ثم قال بعد ذلك في (2/314):
32ـ «مسجد عند طرف أندر بن عقيل ودار أم البنين بناه أبو عامر الآجري له منارة لم يتمم». ثم قال بعد ذلك في (2/315):
33ـ «مسجد الصرف في غربي مقبرة الفراديس على النهر له منارة».
34ـ «مسجد قبر سمعان له منارة». ثم قال بعد ذلك في (2/316):
35ـ «مسجد عوينة الحمى كبير له منارة».
36ـ «مسجد الوزير المزدقاني عند رأس زقاق الأرزة كبير له منارة وإمام وفيه سقاية وبركة وعلى بابه سقاية».
37ـ «مسجد الأرزة ـ قرية كانت عامرة فخربت ـ كبير له وقف وفيه منارة». ثم قال بعد ذلك في (2/317):
38ـ «مسجد عند الجسر الأبيض على نهر ثوره من قبلته على منارة خشب». ثم قال بعد ذلك في (2/319):
39ـ «مسجد خاتون زمرد الكبير الذي بني في موضع تل الثعالب محاذي صنعاء له منارة ووقف وإمام ومؤذن وفيه سقاية». ثم قال بعد ذلك في (2/321):
40ـ « مسجد الحجر ويعرف بمسجد النارنج قبلة المصلى من شرقيه كبير فيه بئر وسقاية وله منارة».
41ـ مسجد يعرف بالمسجد الجديد في موضع محلة السفليين بناه رجل قرقوبي فيه بئر وعلى بابه بئر وله منارة».
42ـ «مسجد القديم بقرب غالية وعويلية قديم جدده أبو البركات محمد بن الحسن ابن طاهر وفيه قبر جد أبيه لأمه أبي الحسن بن البران الواعظ الزاهد له منارة ووقف ويقال إن قبر موسى عليه الصلاة والسلام فيه وفيه بئر وعلى بابه بئر». ثم قال خاتماً ذاك الإحصاء:
«وهذا ما عرفت من مساجدها والذي وقفت عليه من مشاهدها وكثرتها تدل على اهتمام أهلها بالدين وكثرة المصلين فيها والمتعبدين». انتهى.
فهذه أكثر من اثنتين وأربعين منارة في مساجد دمشق وأكثرها ـ وقد احصاها ـ كانت بلا منارات في الفترة التي عاشها ابن عساكر المتوفى بها سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وهي فترة ذهبية من تاريخ المدينة العريقة، وكان للمنارة في تلك الفترة حاجة لرفع الأذان من فوقها، ومع هذا فلم تكن كل تلك المساجد لها منارات، فلماذا يتباهى المسلمون اليوم بهذه المنارات التي لم يعد لها حاجة أصلاً، وبالإمكان رفع الأذان عبر مكبرات الصوت ووسائل الإعلام الحديثة من تلفاز، ومذياع، وانترنت، وموبايل، وساعت يد، وساعات حائط، وغير ذلك كثير؛ بل كثير جداً.
وقد اطلعت على تاريخ كثير من المنائر في الحرمين، وبيت المقدس، القاهرة، وصنعاء، وبغداد، وغيرها من ديار الإسلام في العصور الماضية، ولولا الإطالة لفصلت في ذلك كما فصلت في منائر دمشق والمسجد الحرام، ولعل فيما ذكرت ما يكفي.
وقد تجولت في العديد من المساجد في المدن الأوروبية، ورأيت المسلمين يجتمعون للصلاة حسب التوقيت، وبدون الحاجة لرفع الأذان خارج المساجد، ورأيت من احوالهم والتزامهم الشرعي ما هو خير بكثير من أحول المسلمين في بلاد المسلمين بدون هذه المظاهر والرموز من منائر ومحاريب وقباب وغير ذلك.
وقد تتبعت كتب الفقه والحديث لأرى أقوال الفقهاء في المسألة فوجدتُ كلاماً يشير إلى انها صارت من المسلمات وصارت تأخذ احكاماً فقهية قياسية ـ طبعاً ـ لعدم وجودها في عصر التشريع فستجد في «سنن أبي داود» (519) ما نصه:
«عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى النَّجَّارِ [هي النوار أم زيد بن ثابت] قَالَتْ: كَانَ بَيْتِى مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ بِلاَلٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ فَيَأْتِى بِسَحَرٍ فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إِلَى الْفَجْرِ فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّى أَحْمَدُكَ وَأَسْتَعِينُكَ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ قَالَتْ ثُمَّ يُؤَذِّنُ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ كَانَ تَرَكَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً تَعْنِى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ».
وفي «مُصنف ابن أبي شيبة» (2345):
«عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ ، قَالَ : مِنَ السُّنَّةِ الأَذَانُ فِي المنارة ، وَالإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ» وهو أقدم من يمكن أن يكون تكلم في المسألة.
وفي «مسند أحمد» (8429): حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ
قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: «أَهَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِكُمْ؟
قَالَ: وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ صَلَاتِي؟! قَالَ:
قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ وَأَوْجَزُ!
قَالَ ـ يعني أبو خالد الراوي عن أبي هريرة ـ : وَكَانَ قِيَامُهُ قَدْرَ مَا يَنْزِلُ الْمُؤَذِّنُ مِنْ المنارة وَيَصِلُ إِلَى الصَّفِّ».
وفي «مصنف» ابن أبي شيبة (1/210)
«كَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَسْتَدِيرَ فِي المنارة، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ اسْتِدَارَةَ الْمُؤَذِّنِ».
وفي «الأوسط» لابن المنذر (3/26/ 1176):
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَدُورُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَنَارَةٍ يُرِيدُ أَنْ يُسْمِعَ النَّاسَ. وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ».
وفي «اخبار مكة» للفاكهي (2/132/1298):
«حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ:
الْمُؤَذِّنُونَ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ أَوِ المنارة بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَالنِّسَاءِ؟ قَالَ:
" لَا بَأْسَ بِهِ "
وفيه (2/154) في وصف عمل المنائر في مكة في زمنه:
«..فَإِذَا كَانَ بَعْدَ الْقِيَامِ بِلَيْلٍ وَذَلِكَ مِقْدَارُ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ، أَوْ أَرْجَحَ، جَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى المنارة الَّتِي تَلِي أَجْيَادَ , وَقَدْ جَمَعَ مُؤَذِّنِي الْجِبَالِ قَبْلَ ذَلِكَ تَحْتَ المنارة مِنْ خَارِجٍ فِي الْوَادِي، فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: السَّحُورَ رَحِمَكُمُ اللهُ , اشْرَبُوا رَحِمَكُمُ اللهُ , فَيَفْعَلُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَيُجِيبُهُ مُؤَذِّنُو الْجِبَالِ الَّذِي تَحْتَ المنارة وَيَصِيحُونَ: اشْرَبُوا».
ويقول الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله في تعليقه على «سنن الترمذي» (2/393): فائدة:
«..كان يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد. فظن العوام، بل كثير من أهل العلم أن هذا الأذان يكون أمام الخطيب مواجهة، فجعلوا مقام المؤذن في مواجهة الخطيب، على كرسي أو غيره، وصار هذا الأذان تقليداً صرفاً، لا فائدة له في دعوة الناس إلى الصلاة وإعلامهم حضورها، كما هو الأصل في الأذان والشأن فيه، وحرصوا على ذلك، حتى لينكرون على من فعل غيره. واتباع السنة أن يكون على المنارة أو عند باب المسجد، ليكون إعلاماً لمن لم يحضر، وحرصوا على إبقاء الأذان قبل خروج الإمام، وقد زالت الحاجة إليه، لأن المدينة لم يكن بها إلا المسجد النبوي، وكان الناس كلهم يجمعون فيه، وكثروا عن أن يسمعوا الأذان عند باب المسجد، فزاد عثمان الأذان الأول، ليعلم من بالسوق ومن حوله حضور الصلاة. أما الآن وقد كثرت المساجد، وبنيت فها المنارات، وصار الناس يعرفون وقت الصلاة بأذان المؤذن على المنارة، فإنا نرى أن يكتفى بهذا الأذان، وأن يكون عند خروج الإمام، اتباعاً للسنة، أو يؤمر المؤذنون عند خروج الإمام أن يؤذنوا على أبواب المساجد».
وأنا أقول أن أذان المؤذنين على أبواب المساجد في أيامنا هذه سنة مهجورة في كثير من بلدان العالم الإسلامي حيث صارت لواقط الصوت في الغالب تحت المنابر وقرب المحاريب فماتت هذه السنة وهُجِرتْ وإحياء مثل هذه السنة الثابتة خير من افتعال معارك وهمية على بدع وحوادث أقصى ما قيل فيها إنها من المصالح المرسلة، وهي موضع اجتهاد المجتهدين في تمييز المصالح المرسلة من غيرها.
والله أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم