قيد الإنشاء.

المستكشف

من أعلام دعوتنا

من أعلام دعوتنا

أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي

مقالة كتبتها يوم الخميس: ‏ ‏25 ذو الحجة, سنة 1420هـ، الموافق 3/3/2000م ونشرتها مجلة الأصالة السلفية في أحد أعدادها الثلاثينية وبعض المواقع والمنتديات على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) في تلك الفترة، وها أنذا أثبتها هنا كما كتبتها في حينه.
مع زيادة في أسماء بعض تلاميذه والذين يُعدون بالآلاف وذلك إثر معاتبة أحد فضلائهم لي ـ وحُقَّ له أن يعتب ـ أثناء زيارتي الأخيرة إلى اليمن الميمون السعيد.

لما رزئنا والأمة الإسلامية بموت شيخنا أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، ومن قبله العلامة سماحة الوالد أبو عبد الله عبد العزيز ين عبد الله بن باز، ومن بعدهما الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وغيرهم من أهل العلم والفضل -رحم الله الجميع رحمة واسعة، وأسكنهم فسيح جناته -تسارع أهل العلم وطلابه في ذكر مناقب هؤلاء العلماء الأفاضل الأجلاء، ذكراً على المنابر في الخطب، وبياناً في المحاضرات والندوات، وكتابة في الصحف والمجلات، وعلى شبكة الاتصالات الدولية (الإنترنت) ..وكثرت المراثي شعراً ونثراً، وحق لنا ذلك كله؛ فالمصاب – والله – جلل، والرزية عظيمة، لأنه نقص للأرض من أطرافها ـ كما روى ذلك الإمام الطبري في «تفسيره» لهذه الآية بسنده ـ عن ابن عباس ومجاهد (7/408/ 20533، و20534).

 التعريف بمناقب الأشياخ منهج سلفي حق.

ولا ريب أن لعلمائنا ومشايخنا الحق علينا في التعريف بمقاديرهم،وفضائلهم، ومناقبهم، أحياءً وميتين، وليست الكتابة عنهم أمواتاً بأولى منها وهم أحياء يرزقون ـ رغم أنهم في موتهم أحياء؛ بما ورثوه من علم يحيي الله به القلوب من مواتها، ويبصر به الأعين من عماها أو عشاها، ويسمع الآذان من صَمَمِها ـ. لما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام:

«إذا مات [العبد ] الإنسان انقطع [عنه] عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له».

رواه البخاري في «الأدب» ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة.

وإن من أعلام هذه الدعوة المباركة في زماننا هذا، فضيلة الشيخ العلامة

«أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي»

علامة القطر اليماني، وناشر بنود السنة، وحامل لوائها، ورافع رايتها في تلك البلاد، التي شهد لها المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالإيمان والحكمة والفقه، ولأهلها برقة القلوب ولين الأفئدة.

وإن كان غيري ، من تلاميذ الشيخ الملازمين له، ـ وهم بلا شك أعلم مني بسيرته وأحواله، ومنهم أخذت الكثير مما سأكتبه، وهم أولى مني بالكتابة عن هذا الإمام الهمام، ولكلامهم عنه صدق لهجة، ودقة توثيق، ولكن شرف الكتابة عن هذا المجدد الفذ، لتدفع المرء أن يحرص على تحصيلها دفعاً، ثم لعلها أن تكون دافعاً لإخواننا، من تلاميذ الشيخ الملازمين له، أو الذين سبق لهم ولازموه من قبل، واستفادوا منه، للكتابة عنه، وإبراز دوره في إحياء السنة، ونشرها وخاصة في بلاد اليمن، وان كان قد سبقني الى الكتابة عنه بعضهم، فليس بمانعي ذلك أن أضيف سطراً آخر الى سفر فضائله، ومناقبه، أو لبنة في بناء خيره وعطائه، تعبيراً عن محبتي العظيمة له، وتقديري الجليل لفضيلته، راجياً من الله تعالى أن يحشرني وإياه ـ لمحبتي له – مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأحبابه وأتباعه، الذابين عن سنته، والحاملين لواء دعوته على مر العصور؛ من أهل السنة والحديث والأثر.

الشيخ مقبل .. خير خلف لخير سلف.

هذا العَلَمُ السُنِّي، والبيرق السلفي، والذي تناسل من أصلاب رجال، وأرحام نساء من هذه القبيلة الهمدانية الوادعة - والتي لها من اسمها نصيباً عظيماً، يراه ويلمسه المرء حين وصوله الى تلك القرية الوادعة.. العذب ماؤها، النظيف رملها، الوارفة ظلال دواليها، اليانعة أشجار رمانها، المحاطة بالجبال التي يخيل اليك أنها تحتضنها بحنو الوالدة على ولدها، منذ أن كان الزمان، لتنجب هؤلاء الأفذاذ من علماء الحديث، والسنة على مر العصور، في وادي «دماج» القريب من مدينة «صعدة» في أقصى شمال القطر اليماني المعروف اليوم، وحيث وُلِدَ الشيخ ـ رحمه الله ـ [كنت قد كتبت هذه الترجمة قبل وفاة الشيخ رحمه الله وذلك في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة 1420هـ]

فقد نبغ من «همدان» عموما، ومن «وادعة» خصوصا، كثيرٌ من الرجال الأفذاذ، الذين حملوا راية هذا الدين العظيم، منذ أن لاح فجره وانفجر، وتنفس صبحه وانتشر، يوم أن دخلوا في دين الله أفواجا طواعية، على أيدي الصحابة؛ معاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وخالد بن الوليد، وعلي بن أبي طالب، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وسارعوا الى منبعه الصافي الرقراق في طِيبَةَ الطَيِّبَةِ؛ إلى بيت النبوة، ومجمع الأصحاب، ينهلون من معينه، ويرتوون من قراحه، والى مكة المكرمة، ثم الى سائر الرباطات والأمصار، وخاصة الكوفة، والبصرة، والمدائن، فكان منهم وعلى رأسهم:

أبو عائشة مسروق بن الأجدع الهمداني الوادعي، ووالده الأجدع بن مالك الوادعي، وابن أخيه محمد بن المنتشر بن الأجدع بن مالك الوادعي، وفيروز الوادعي، وأبو عطية عمرو بن جندب الوادعي، ومعدي بن أبي حميضة الوادعي، وأخوه المنذر بن أبي حميضة الوادعي، والحارث بن الأزمع الوادعي، وأبو حية عمرو بن عبد الله بن الأصم الوادعي، وكلثوم بن الأقمر الوادعي، وأخوه علي بن الأقمر الوادعي، وشداد بن الأزمع الوادعي، وجميل بن عامر الوادعي، وأبو عطية مالك بن أبي حمزة الوادعي، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الوادعي، وأبو حية خالد بن علقمة الوادعي، وأبو يحيى زكريا بن أبي زائدة الوادعي، وابنه أبو سعيد يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الوادعي، وأخوه عمر بن أبي زائدة الوادعي، والقاضي أبو حصين محمد بن حسن بن حبيب الوادعي، وإبراهيم بن أبي حصين الوادعي، وغيرهم كثير من أهل الحديث والفقه، فضلاً عن أهل الجهاد والرباط.

من هدي السلف تَعَلُّمُ العلم والعمل معاً .

وعلى هدي هؤلاء الأفذاذ من حملة السنة والحديث، سار شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي ـ رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته ـ تدعمه، وتحميه وتنافح عنه، قبيلته الوادعة (وادعة الهمدانية )جزاها الله خير الجزاء، باحتضانها لطلاب العلم الذين يفدون الى الشيخ في كل يوم؛ بل وفي كل ساعة من ليل أو نهار، ينهلون من علم الشيخ ـ رحمه الله ـ ويتعلمون العلم بالعمل قبل القول .. حيث يتعلمون الزهد، والإيثار، والكرم، وحسن الخلق، وعفة اللسان، منقطعين عن الدنيا، استعداداً للآخرة، على منهج السلف الصالح، في ملازمة الشيوخ، والأخذ عنهم العلم، والعمل معاً.

 نشأة الشيخ، وتَعَلُّمِهِ، وشيوخه.

وإن كان الشيخ ـ رحمه الله ـ قد نشأ في بيئة شيعية زيدية، وابتدأ بتلقي علومه الشرعية على مذهب الزيدية في اليمن، إلا أن الله امتن عليه، ويسر له الإقامة في مكة، بجوار المسجد الحرام، ينهل من علوم علماء الحرم المكي، أمثال الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، ثم الإقامة في المدينة النبوية، والدراسة في جامعتها الإسلامية، حتى حصوله على درجة الماجستير في الحديث النبوي الشريف وعلومه منها، والتي تلقى العلم عن أساتذتها أمثال :- الشيخ محمد الأمين المصري، والشيخ محمد الحكيم، والشيخ محمود بن عبد الوهاب بن فائد، والشيخ حماد الأنصاري، وغيرهم كثير، ولقد كان لعمله في دراسة وتحقيق كتابي «الإلزامات والتتبع» للحافظ الدارقطني ـ ضمن متطلبات حصوله على درجة الماجستير تلك ـ كان لعمله عظيم الأثر، في التعريف بمنهج أهل الحديث المُنْصِفِ في النقد والإطراء على حدٍ سواء، ثم كان لعودته الميمونة المباركة الى اليمن؛ لينشر ما حصله من علوم شرعية، وفرائض دينية، وسنن نبوية، وكنوز أثرية.. فيحيي الله به من الفرائض، والسنن التي اندثرت أو كادت، على مر السنين، ما شاء الله أن يحيي.

بعض تلاميذ الشيخ ومصنفاتهم .

وقد سار على نهجه في إبراز، وإظهار الأسانيد، وربطها بمتونها، ونقدها، والحكم عليها، بعض تلاميذ الشيخ، وخاصة تلميذه النجيب الشيخ (مصطفى بن العدوي المصري ) ـ حفظه الله ـ فكتب «الصحيح المسند: من أذكار اليوم والليلة» و «الصحيح المسند: من أحكام النكاح»، و «الصحيح المسند: من فضائل الصحابة»، و «الصحيح المسند: من أحاديث الفتن، والملاحم وأشراط الساعة»، وقد كتب غيره من تلاميذ الشيخ «الصحيح المسند: من التفسير النبوي للقرآن»، وكتب غيرهم من تلاميذ الشيخ في مختلف العلوم الشرعية، وعلى رأسهم أخونا (أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني المصري ثم المأربي )، الذي كتب «شفاء العليل، بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل»،ثم «إتحاف النبيل، في أجوبة أسئلة المصطلح والجرح والتعديل»، والذي استفاد أكثر مادته من الشيخ ـ رحمه الله ـ، ثم من شيخنا (أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني ) ـ رحمه الله ـ في زيارته الأولى له في عمان المحروسة، سنة ست عشرة وأربعمائة وألف، وقد قرأنا عليه شيئاً منه أثناءها ـ والحمد لله ـ.

ومن تلاميذ الشيخ الفضلاء الذين عرفتهم قديما وحديثاً ويصعب عليَّ إحصاء عددهم، وتذكر أسمائهم، ولكنني عاشرتهم عن قرب واستفدت من بعضهم وأرجو أن تتسع صدور من نسيتهم فهم في القلب دوماً وإن غابوا عن الذهن حينا!

فضيلة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الوصابي شيخ دار الحديث بالحديدة.

فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله الريمي (الإمام) شيخ دار الحديث بمعبر، ذمار.

فضيلة الشيخ عبد الرحمن العدني شيخ دار الحديث بالفيوش؛ لحج.

فضيلة الشيخ عبد العزيز البرعي شيخ دار الحديث بمفرق حبيش، إب.

فضيلة الشيخ عثمان السالمي العتمي شيخ دار الحديث بمدينة ذمار.

فضيلة الشيخ عبد الله بن عثمان الذماري، خطيب الدعوة السلفية في اليمن.

فضيلة الشيخ أحمد حسن شيخ دار الحديث ببلدة اللسي، ذمار.

فضيلة الشيخ محمد الصوملي شيخ دار الحديث بمسجد الخير، صنعاء.

فضيلة الشيخ عبد الله بن ناجي حداد الذماري، الذي خلفني في مسجد الصديق في ذمار.

وكل هؤلاء وغيرهم كثيرون جداً لهم جهود مشكورة في الدعوة إلى الله وبذل العلم لأهله، ولكثير منهم تصانيف مفيدة ونافعة في مختلف العلوم الشرعية

علم الشيخ ومصنفاته.

وان المرء ليعجب كل العجب، من علم الشيخ عندما يتكلم في الرجال، والأسانيد، والعلل، والمتون، ثم لما يحث على تعلم الحديث، والحرص عليه، ويذكر قصص أهل الحديث من خلال ذكر تراجمهم، وصبرهم، وتحملهم في الرحلات العلمية، ومصابرة العلم وتحصيله، وزهدهم في الدنيا، وإقبالهم على الآخرة، فيتمنى من صميم قلبه، لو يبقى هناك، ينهل من هذا البحر الذي لا ساحل له، وليس أدل على اهتمامه بالأسانيد ومتونها، من مصنفاته القائمة، المعتمدة على إظهار، وإشهار الأسانيد المسندة: مثل «الصحيح المسند: في أسباب النزول»، و «الصحيح المسند: من دلائل النبوة»، و«الجامع الصحيح في القدر»، و«الصحيح المسند: مما ليس في الصحيحين»، وقد حدثني في سنة ألف وأربعمائة وعشر: أنه بصدد جمع أوهام الحاكم في «المستدرك» في مؤلف مستقل بعد أن توقف عن إكمال تحقيق «التفسير» للحافظ ابن كثير الدمشقي.

مناقبه الشيخ الجمة .

أما كلام الشيخ في اللغة، والنحو، والشعر، والأدب، فهو فارسه الذي لا يشق له غبار، وبحره الذي لا يدرك له قرار، فتسمع العجب العجاب من إحاطته بكل هذه الشواهد الشعريه، والتطبيقات النحوية، والصرفية، وسياقته للآيات، والأحاديث الدالة على ذلك، ولطالما سمعنا إخواننا من طلبة الشيخ، ينشدون الشعر بين يديه، في بيان أصول الدعوة، ونصرتها، والحث على كل حسن وكريم، في معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، وطلب العلم، ونشر الدعوة، وقمع البدعة، والتحذير من الفتن، ثم تجده بعد ذلك يقيِّم ويوجه، ويرشد ويصحح، ولا أدري إن كان هو نفسه يقرظ الشعر أم لا، لأن قرظ الشعر في بلاد اليمن يكاد أن يكون عفوياً على جُلِّ الألسنة.

وأما كلامه في أهل الأهواء والبدع والضلال، من (مذهبيين متعصبين)، و(حزبيين حركيين)، و (طرقيين جاهلين)، و (جمعيين انتهازيين نفعيين) ـ [أعضاء الجمعيات] وغير ذلك، والتحذير منهم ومن تقليدهم، ومن يدور في فلك الطغاة والجبابرة منهم، ومن غيرهم، فهو السم الزعاف، والسيف المهند، والرمح المسدد، بل والمدفع القاصف .. لكل بدعة، وضلال، وطغيان، حتى صاروا يخشون كلمته أكثر من خشيتهم سلاح من يتربص بهم، ممن هم على شاكلتهم، من أهل الأهواء، والبدع والأحزاب، ولكن كلامه ذلك ضمن قوله تعالى:

 ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، إعدلوا هو أقرب للتقوى (المائدة / 8 ).

وعلى قواعد وأصول علماء الجرح والتعديل ،وقد كتب في ذلك «رياض الجنة في الرد على أعداء السنة»، و «المخرج من الفتنة»،و «مقتل الشيخ جميل الرحمن» [وهو شيخ، وإمام أهل السنة والحديث السلفيين، في الجهاد الأفغاني ضد الشيوعيين الأفغان، و«السوفييت» في منطقة (كنر) قتله أحد الحزبيين المأجورين عليه من الله ما يستحق]

وسجل عدة أشرطة بعنوان (حاطب ليل) بين فيها أحوال بعض الدعاة العلمية الرثة في زماننا، كل ذلك من خلال أصول وقواعد الجرح والتعديل، التي أصّلها وقعّدها علماء هذا الفن العظيم الخالد.

وأما احترامه لأهل السنة والجماعة من طلاب العلم وأهله.

ممن عرف الناس لهم قدرهم ،وثناؤه عليهم ، والحث على الأخذ منهم ، وعنهم .. وسؤاله عن أحوالهم، والدعاء لهم، ومقارنتهم بعلماء السلف، والتحذير من تقليدهم، مع ثنائه عليهم، وبيانه فضلَهم كقوله: «لو أردنا أن نقلد ابن باز، أو الألباني .. لقلدنا من هو خير منهما؛ مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم وأمثالهم»، ولكنه الإنصاف والعدل الذي يتمثل في قوله تعالى:

 يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين (النساء /135)

ولطالما ردد على مسامعنا قول الشاعر:

لا فرق بين مقلد في دينه      راضٍ بقائده الجهول الحائـــــــر

وبهيمة عمياء قاد زمامها        أعمى على عوج الطريق الجائر

وأما مكتبته العامرة، بصنوف كتب الفقه، والحديث، والتفسير، واللغة، وغيرها، فهي من أعظم المكتبات الشخصية التي رأيتها، والتي لا تكاد تجد كتابا منها إلا، وقد ظهرت على هوامشه تعليقات وملاحظات الشيخ وتلاميذه، وعلى أطرافه آثار كثرة الاستعمال، والتداول، والبحث.

ولقد نهج الشيخ ـ رحمه الله ـ نهجا سنياً، سلفياً، أصيلاً، في بعده عن أبواب السلاطين والنأي بنفسه وتلاميذه عن الوظائف العامة، والعمل لهم ولها، حرصاً منه على وقته المبارك؛ لخدمة العلم الشريف، والدعوة السلفية، والسنة النبوية، وترفعا عن الدنيا وزينتها، وبهرجتها وبريقها، وبعداً عن التناحر على فتاتها، ومتاعها الزائل، وإعمالاً لصدق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يتطلب جرأة في الحق، وصدقاً في القول، وطهارة في اليد، وعفة في النفس، وبعداً عن الفتن، وتطبيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم:

«من بدا جفا، ومن تبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله ـ عز وجل ـ بعدا »

أخرجه أحمد في «المسند»(9681)، و (8823)، وإسحاق بن راهويه في «المسند» (429)، والبيهقي في «الكبرى»  (20042) ـ ثلاثتهم ـ عن أبي هريرة، 

والطبراني في «الكبير» (11030)، و«الأوسط» (560) عن ابن عباس.

وأما أقوال أهل العلم فيه، فهي كثيرة جداً، منها ما سمعناها منهم مباشرة، ومنها ما تواتر نقلها عنهم من طرق الثقات العدول، من أهل العلم وطلبته، والفضلاء وغير الفضلاء من الناس، من محبيه وشانئيه على حدٍ سواء.. ومنها ما سطروه في كتبهم وكتاباتهم، ولطالما سمعنا شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ يذكره بخير، ويثني عليه، ويسأل عن أحواله، وكذلك إخواننا من أهل العلم وطلبته في الأردن أمثال : الأخ مشهور حسن، والذي سمعته يوم بلغتنا وفاة الشيخ حماد الأنصاري ـ رحمه الله ـ يقول: (الشيخ مقبل .. إمام).

ولقد بلغنا أن الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله تعالى، وكعادته ـ كان يهتم بأمور الشيخ، ويثني عليه، وعلى جهوده في نشر الدعوة والسنة، ولقد رأيت أكثر من مرة بعض رُسل الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ الذين كانوا يفدون إلى مركز الشيخ مقبل في «دماج/ صعدة»، ومراكز الحديث الأخرى، بصلات، ومعونات الشيخ ـ رحمه الله ـ لتلك المراكز.

وكذلك كان الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وغيره من شيوخ الحرمين، وسائر الجزيرة، ومصر، والشام، وعلماء شبه القارة الهندية، وغيرها من بلاد الإسلام، وقلما رأيت أحداً من أهل السنة والحديث السلفيين وخاصة العلماء وطلاب العلم وعلم انني مقيم في اليمن إلا ويسألني عن الشيخ، ويحملني إليه سلامه وتحياته ودعواته.

وأما أثره في نشر السنة، وعقيدة السلف في اليمن خاصة.

فيتجلى في هذا الكم غير القليل، من المراكز العلمية، والمدارس الحديثية، والمساجد السُنيِّة، والمكتبات السلفية التي انتشرت في ربوع اليمن على أيدي محبيه وتلاميذه النجباء الكُثر، من أقصى الشمال في «صعدة» إلى أقصى الجنوب في «الشحر»، و«حضرموت»، ومن أقصى الغرب في ساحل «تهامة» إلى أقصى الشرق في «مأرب»، و«الجوف»، مرورا «ببني غثيمة»، و«خمر»، و«ريدة»، و«عمران»، و«حجة»، و«صنعاء»،و «ريمة»، و«معبر»، و«ذمار»، و«رداع»، و«البيضاء»، و«الضحاكي»، و«ذي ناعم»، و«يريم/يحصب»، و«إب»، و«تعز»، و«الحديدة»، و«زبيد»، و«القاعدة»، و«الضالع»، و«عدن»، و«أبين»، و«لحج»، وغيرها من المدن، فضلا عن القرى، والمخاليف، والقبائل، وغيرها من ربوع اليمن الميمون السعيد، عبر السهول، والجبال، والوديان، والفيافي، والقفار.

وإن المرء ليعجب كل العجب من هذه البركة التي يضعها الله عز وجل في وقت الشيخ ـ رحمه الله ـ فهو يسامر ضيوفه وزائريه، ويجيب عن أسئلتهم، والقضايا التي يحملونها اليه من مناطقهم وبلادهم، ومخاليفهم وقبائلهم، يسامرهم الى ساعة متأخرة من الليل،ثم يجالسهم بعد الفجر حتى يكونوا هم المنصرفين عنه لا هو، ثم تجده في الدروس مع المتقدمين من تلاميذه بعد العصر في «شرح ابن عقيل» وغيره، مما لا يُحْسِنُهُ غيره، وبعد المغرب في شرح كتب الحديث، وبعد العشاء في الإستماع للضيوف القادمين، يحاضرون، أو يعظون، أو يدرسون.

ولا يأنف أن يخرج مع تلاميذه وضيوفه إلى الرمال، وتحت الأشجار، يستمع إليهم باهتمام، ويوجههم، وينصحهم لما فيه خيرهم، وخير أمتهم.

بل ويحمل قِرى ضيوفه بيديه، ويقدمه اليهم بنفسه، ويرغبهم في الطعام ويحثهم عليه، ويتفقد كل واحد منهم، حتى ليشعر المرء بأنه الضيف الوحيد من شدة ما يرى من اهتمام الشيخ به.

كل ذلك مع حسن سمت يدل على علم غزير بالسنة ظاهراً وباطناً، وحسن أدب في انتقاء العبارة واللفظة، ولاينسى أن يُشَيِّعَ زائريه إلى محطة الوقود في قريته ليملأ لهم خزانات الوقود على نفقته، ليعودوا من حيث أتوا وهم يتساءلون:

أحقاً ما نرى؟! .

وأخيراً فلا يسع الإنسان بعد هذا كله إلا أن يتساءل بإعجاب: كيف يقوم الشيخ بواجباته البيتية، والاجتماعية؟!

متى يحقق.. ويصنف .. ويكتب؟!

متى ينام ؟!

متى يُحَضِّرُ لدروسه ؟!

متى ومتى ؟!

ولكنه منهج السلف! وسمو النفس! وقوة العزيمة! وعلو الهمة، وقبل ذلك كله وبعده، توفيق الله، وفضله .

وبعد حياة حافلة بالجهاد والاجتهاد، وإحياء السنن، وقمع الفساد، ابتلي فضيلة شيخنا بمرضٍ عُضالٍ؛ لم يُمهله طويلاً ـ عسى أن يكون الله تعالى ـ رفع به درجاته، وكفَّرَ عنه خطيئاته، فتوفاه الله ـ تعالى ـ في بعض مستشفيات مدينة جدة ـ في بلاد الحرمين ـ

مساء يوم السبت، غرة جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وألف هجرية، الموافق للحادي والعشرين من شهر تموز سنة 2001 م .

وصُلِّي عليه فجر اليوم التالي.. يوم الأحد الثاني من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وألف هجرية، في المسجد الحرام ـ الذي كان يعشق ويحب ـ، وأم الصلاة عليه فضيلة الشيخ «صالح بن حميد» ـ نفع الله به ـ ثم دُفِنَ ضحى اليوم نفسه في مقبرة العدل بمكة المكرمة، حيث دُفِن من قبله فيها حبيبيه، وصاحبيه، وأخويه؛ سماحة الشيخ «عبد العزيز بن عبد الله بن باز»، وسماحة الشيخ «محمد بن صالح العثيمين».

رحم الله الجميع رحمة واسعة، وجمعنا وإياهم في دار كرامته، في جوار حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم 

والحمد لله رب العالمين .