المجلس الثالث
مساء السبت ليلة الأحد
14/11/1430هـ
2/11/2009م
العقد بغير العربية،
وزواج الأخرس،
وشروط صيغة العقد
وقال أبو الخطاب:(1) «عليه أن يتعلم، لأن ما كانت العربية شرطا فيه لزمه أن يتعلمها مع القدرة، كالتكبير.
ووجه الأول أن النكاح غير واجب، فلم يجب تعلم أركانه بالعربية كالبيع بخلاف التكبير.
فإن كان أحد المتعاقدين يحسن العربية دون الآخر أتى الذي يحسن العربية بها ، والآخر يأتي بلسانه.
فان كان أحدهما لا يحسن لسان الأخر احتاج أن يعلم أن اللفظة التي أتى بها صاحبه لفظة الإنكاح أن يخبره بذلك ثقة يعرف اللسانين جميعا». [إ . هـ]
والحق الذي يبدو لنا أن هذا تشدد، ودين الله يسر، وسبق أن قلنا: إن الركن الحقيقي هو الرضا. و«الإيجاب»، و«القبول»، ما هما إلا مظهران لهذا الرضا ودليلان عليه.
فإذا وقع الإيجاب والقبول كان ذلك كافيا، مهما كانت اللغة التي أديا بها.
73ـ قال ابن تيمية: (1) «إنه «أي النكاح» وإن كان قربة، فإنما هو كالعتق والصدقة، لا يتعين له لفظ عربي ولا عجمي [وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعين لها لفظ عربي بالإجماع].
ثم إن الأعجمي إذا تعلم العربية في الحال ربما لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ ، كما يفهم من اللغة التي اعتادها .
نعم. لو قيل: تكره العقود بغير العربية لغير حاجة ، كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية لغير حاجة ، لكان متوجها.
كما روي عن مالك، وأحمد، والشافعي، ما يدل على كراهية اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة». [إ . هـ] \38\
زواج الأخرس (3): ويصح زواج الأخرس بإشارته إن فهمت ، كما يصح بيعه ، لان الإشارة معنى مفهم . وإن لم تفهم إشارته ، لا يصح منه ، لان العقد بين شخصين ، ولا بد من فهم كل واحد منهما ما يصدر من صاحبه .
عقد الزواج للغائب : إذا كان أحد طرفي العقد غائبا ، وأراد أن يعقد الزواج
فعليه أن يرسل رسولاً ، أو يكتب كتابا إلى الطرف الآخر يطلب الزواج . وعلى الطرف الآخر ـ إذا كان لـه رغبة في القبول ـ أن يحضر الشهود ، ويسمعهم عبارة الكتاب ، أو رسالة الرسول ، ويشهدهم في المجلس على أنه قبل الزواج . ويعتبر القبول مقيداً بالمجلس. [كزواج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان من النجاشي برسالة عمرو بن أمية الضمري]
شروط صيغة العقد وزواج المتعة
اشترط الفقهاء لصيغة الإيجاب والقبول :
1 ـ أن تكون بلفظين وضعا للماضي ، أو وضع أحدهما للماضي ، والآخر للمستقبل .
فمثال الأول : أن يقول العاقد الأول : زوجتك ابنتي . ويقول القابل : قبلت .
ومثال الثاني : أن يقول الخاطب أزوجك ابنتي ، فيقول لـه : قبلت .
وإنما اشترطوا ذلك ، لان تحقق الرضا من الطرفين وتوافق إرادتهما هو الركن الحقيقي لعقد الزواج ، و« الإيجاب » و « القبول » مظهران لهذا الرضا كما تقدم .
ولابد فيهما من أن يَدُلا دِلالَةً قطعية على حصول الرضا وتحققه فعلا وقت العقد .
والصيغة التي استعملها الشارع لإنشاء العقود هي صيغة الماضي لان دلالتها على حصول الرضا من الطرفين قطعية . ولا تحتمل أي معنى آخر \39\
بخلاف الصيغ الدالة على الحال أو الاستقبال ، فإنها لا تدل قطعا على حصول الرضا وقت التكلم .
فلو قال أحدهما : أزوجك ابنتي . وقال الآخر : أقبل ، فإن الصيغة منهما لا ينعقد بها الزواج ، لاحتمال أن يكون المراد من هذه الألفاظ مجرد الوعد .
والوعد بالزواج مستقبلا ليس عقدا لـه في الحال ، ولو قال الخاطب : زوجني ابنتك ، فقال الآخر : زوجتها لك ، انعقد الزواج ، لان صيغة ( زوجني ) دالة على معنى التوكيل ، والعقد يصح أن يتولاه واحد عن الطرفين .
فإذا قال الخاطب : زوجني ، وقال الطرف الآخر : قبلت ، كان مؤدى ذلك أن الأول وكل الثاني ، والثاني أنشأ العقد عن الطرفين بعبارته .
2 ـ اشتراط التنجيز في العقد :
كما اشترطوا أن تكون منجزة : أي أن الصيغة التي يعقد بها الزواج يجب أن تكون مطلقة غير مقيدة بأي قيد من القيود ، مثل أن يقول الرجل للخاطب : زوجتك ابنتي ، فيقول الخاطب : قبلت . فهذا العقد منجز .
ومتى استوفى شروطه وصح ترتبت عليه آثاره . (1)
ثم إن صيغة العقد قد تكون معلقة على شرط ، أو مضافة إلى زمن مستقبل أو مقرونة بوقت معين ، أو مقترنة بشرط ، فهي في هذه الأحوال لا ينعقد بها العقد . واليك بيان كل على حدة .
(10) الصيغة المعلقة على شرط :
وهي أن يجعل تحقق مضمونها معلقا على تحقق شئ آخر بأداة من أدوات التعليق : مثل أن يقول الخاطب : إن التحقت بالوظيفة تزوجت ابنتك ، فيقول الأب : قبلت .فإن الزواج بهذه الصيغة لا ينعقد ، لان إنشاء العقد معلق على شئ قد يكون ، وقد لا يكون في المستقبل .
وعقد الزواج يفيد ملك المتعة في الحال ، ولا يتراخى حكمه عنه بينما \40\ الشرط ـ وهو الالتحاق بالوظيفة ـ معدوم حال التكلم ، والمعلق على المعدوم معدوم (1). فلم يوجد زواج .
أما إذا كان التعليق على أمر محقق في الحال فان الزواج ينعقد ، مثل أن يقول : إن كانت ابنتك سنها عشرون سنة تزوجتها . فيقول الأب : قبلت . وسنها فعلا عشرون سنة .
وكذلك إن قالت : إن رضي أبي تزوجتك ، فقال الخاطب ، قبلت ، وقال أبوها في المجلس : رضيت .
إذ أن التعليق في هذه الحال صوري ، والصيغة في الواقع منجزة.
(2) الصيغة المضافة إلى زمن مستقبل :
مثل أن يقول الخاطب : تزوجت ابنتك غداً ، أو بعد شهر : فيقول الأب : قبلت ، فهذه الصيغة لا ينعقد بها الزواج ، لا في الحال ، ولا عند حلول الزمن المضاف إليه ، لان الإضافة إلى المستقبل تنافي عقد الزواج الذي يوجب تمليك الاستمتاع في الحال . (2)
(3) الصيغة المقترنة بتوقيت العقد بوقت معين :
كأن يتزوج مدة شهر ، أو أكثر ، أو أقل فان الزواج لا يحل ، لأن المقصود من الزواج دوام المعاشرة للتوالد ، والمحافظة على النسل ، وتربية الأولاد . (3)
ولهذا حكم الفقهاء على زواج المتعة والتحليل بالبطلان ، لأنه يقصد بالأول مجرد الاستمتاع الوقتي ، ويقصد بالثاني تحليل الزوجة لزوجها الأول .
وإليك تفصيل القول في كل منهما :
بإشارته المعهودة ، ولا يعتبر إقراره بالإشارة ، إذا كان يمكنه الإقرار بالكتابة .
ومن الآثار المترتبة على العقد أنها لا تنكح زوجاً آخر حتى يطلقها ، أو يموت عنها. وترثه ، ويرثها إن توفي أحدهما قبل الآخر . ويلزمه نفقتها . ويثبت بهذا الزواج الولد ، والعدد ـ يعني لو أراد أن يتزوج غيرها ، فتحسب من الأربعة التي يباح له الزواج منهن ـ وغير ذلك من آثار شرعية .
ولا يجوز الاحتجاج بأنه ربما تركها بعد الاستمتاع بها ، وغدر بها ، وأنكر ذلك الاستمتاع ، فإنه إن فعل ذلك وخلا بها استحقت المهر كله ، لا نصفه عند النزاع ، والقول قولها ، وليس قوله ، ولا يستحق الكاذب المخادع أن يكون زوجاً لمسلمة صادقة قانتة مطيعة .